ابن هشام الأنصاري
111
شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
وجب الرجوع إلى الإعراب ، وإنما قدّمت الظروف على الأحوال لأن ذلك في الظروف أكثر وقوعا ؛ فكان أولى بالتقديم . فإن قلت : قد وقع التركيب المذكور فيما ليس بظرف ولا حال ، كقولهم : « وقعوا في حيص بيص » أي في شدّة يعسر التخلّص منها « 1 » . قلت : هو شاذ ، فلذلك لم أتعرض لذكره في هذا المختصر . ولم يقع في التنزيل تركيب الأحوال ولا تركيب الظروف ، وإنما وقع فيه تركيب الأعداد ، نحو : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً [ يوسف ، الآية 4 ] فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [ البقرة ، 60 ] عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [ المدثر ، 30 ] أي : على سقر تسعة عشر ملكا يحفظون أمرها ، وقيل : صنفا وقيل : صفّا من الملائكة ، وقرئ : تِسْعَةَ عَشَرَ جمع عشير ، مثل : أيمن في جمع يمين ، وعلى هذا فتسعة مرفوع ، وأعشر مخفوض بالإضافة منوّن . ومجيء هذا التركيب في الأحوال قليل بالنسبة إلى مجيئه في الظروف .
--> ( 1 ) تقول : « وقع القوم في حيص بيص » بفتح أولهما وآخرهما وبكسر أولهما وفتح آخرهما ، وبفتح أولهما وكسر آخرهما - فأما معنى هذه العبارة فمن العلماء من قال : معناها وقعوا في شدة وضيق يعسر عليهم التخلص منهما ، ومنهم من قال : معناها وقعوا في اختلاط وهرج لا مخرج لهم منهما ، وفي حديث سعيد بن جبير ، وقد سئل عن المكاتب إذا اشترط عليه أهله ألا يخرج من بلده ؛ فقال : « أثقلتم ظهره ، وجعلتم الأرض عليه حيص بيص » وقال أمية بن أبي عائذ الهذلي : قد كنت خرّاجا ولوجا صيرفا * لم تلتحصني حيص بيص لحاص وأما إعراب هذه العبارة فاللغتان الأولى والثانية على ما ذكر المؤلف ، والكلمتان فيهما مبنيتان على فتح الجزأين ؛ وعلى اللغة الثالثة كل كلمة من الكلمتين مبنية على الكسر .